تقارير خاصة

الهدنة تحت النار جنوبًا... فهل يصمد اتفاق واشنطن؟

إسلام جحا – خاص الفجر

لم تمضِ سوى أيام على توقيع اتفاق الإطار بين لبنان والكيان الإسرائيلي في واشنطن حتى بدا أن الميدان سبق السياسة مجددًا. فقد شهد الجنوب اللبناني خلال الساعات الماضية واحدة من أعنف موجات التصعيد منذ الإعلان عن الاتفاق، مصحوبةً بغارات جوية وتفجير نفق ضخم، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين التفاهمات السياسية والواقع الأمني على الأرض.

 

الدفاع المدني في النبطية أعلن عن مواصلة فرق البحث والإنقاذ عملياتها الميدانية تحت الأنقاض، وإنجاز المسح الشامل للمواقع المتضررة رغم صعوبة الظروف الميدانية.

وفي موازاة ذلك، واصل الطيران المسيّر الإسرائيلي خرق الأجواء اللبنانية، محلقًا على علو منخفض فوق الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية على مجبل غسان ضاهر على طريق بلدة إبل السقي في قضاء مرجعيون.

 

ميدانيًا أيضًا، نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرًا ضخمًا لنفق في بلدة مجدل زون، قال إنه يمتد لنحو 200 متر وبعمق يزيد على 25 مترًا ويضم مئات قطع السلاح وفتحات إطلاق حسب زعمه. وأفادت المعلومات بأن قوة الانفجار شطرت البلدة إلى قسمين، بعد إجراءات احترازية سبقتها شملت إخلاء بلدة المنصوري المجاورة تحسبًا للتداعيات. كما تحدثت وسائل إعلام عبرية عن استخدام كميات كبيرة من المتفجرات دفعت الجبهة الداخلية إلى تحذير سكان المستوطنات الشمالية من احتمال الشعور بهزة أرضية.

 

وامتدت الاعتداءات الإسرائيلية إلى تفجير مبانٍ سكنية في بلدتي الطيبة وحداثا، وإلقاء قنابل صوتية قرب مدنيين في برج قلاوية وبرعشيت، إلى جانب غارات استهدفت مدينة النبطية وأطراف ميفدون، وقصف مدفعي طال يحمر الشقيف وكفرتبنيت وأطراف دير سريان، وسط تحليق مكثف للطيران الحربي فوق الجنوب.

 

وفي النبطية، أظهرت المشاهد الميدانية حجم الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على حي المسلخ والسوق الرئيسي، ما دفع عشرات العائلات التي كانت قد عادت إلى المدينة بعد الهدنة إلى النزوح مجددًا نحو صيدا، فيما بقيت عودة السكان محدودة بسبب حجم الدمار واستمرار المخاطر الأمنية.

 

في المقابل، أعلن حزب الله أن الاعتداءات الإسرائيلية تمثل "انتهاكًا فاضحًا" لوقف إطلاق النار، مؤكدًا أنه يرصد الخروقات ويحتفظ بحقه في الدفاع عن لبنان وشعبه، وذلك بعدما فجّر الجيش الإسرائيلي النفق في مجدل زون وواصل غاراته على النبطية وميفدون.

 

وتزامن التصعيد مع نشر منصات عبرية مشاهد جوية لمواجهة وقعت في دير سريان، أظهرت مطاردة مقاتل من حزب الله بعد تنفيذه كمينًا استهدف قوة من لواء جولاني، وأسفر، بحسب الرواية الإسرائيلية، عن مقتل قائد فصيل برتبة نقيب وإصابة جندي، قبل أن يُحاصر بأربع آليات عسكرية، بينها ثلاث دبابات ميركافا، ويُستهدف بالنيران وقذيفة دبابة خلال انسحابه في أرض زراعية.

 

سياسيًا، كشف مسؤول أميركي أن جولة جديدة من المحادثات بين لبنان والعدو الإسرائيلي ستنعقد اليوم الثلاثاء، في إطار المساعي الرامية إلى دفع المفاوضات قدمًا والتوصل إلى تفاهمات بين الجانبين، موضحًا أن الاتصالات بين بيروت وتل أبيب لا تزال مستمرة، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تواصل أداء دور الوسيط وتسهيل المباحثات بهدف تحقيق تقدم في المرحلة المقبلة.

 

وتتزايد الشكوك حول مستقبل اتفاق الإطار الموقع في واشنطن برعاية أمريكية، بعدما لم يبدأ الانسحاب الإسرائيلي من "المنطقتين التجريبيتين" اللتين كان يفترض أن تشكلا أولى مراحل التنفيذ. وكشفت تسريبات إسرائيلية عن الملحق الأمني للاتفاق أن أي انسحاب لن يكون مرتبطًا بجدول زمني، بل بتقييم ميداني تضعه حكومة الاحتلال، كما أن توسيع المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني سيبقى مشروطًا بموافقة إسرائيلية. ووفق التسريبات، يمنح الملحق الجيش الإسرائيلي حرية تنفيذ عمليات داخل ما تسميه إسرائيل "المنطقة الأمنية" ضد أي تهديدات تعتبرها ناشئة، ما يعني عمليًا استمرار العمليات العسكرية حتى بعد بدء تنفيذ الاتفاق.

وفي المقابل، تؤكد الدولة اللبنانية أن أولويتها تبقى الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش اللبناني، وحصر السلاح بيد الدولة، بينما حذر رئيس مجلس النواب نبيه بري من أن فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات الأمريكية – الإيرانية قد يطيل أمد الاحتلال، في حين يواصل حزب الله رفض الاتفاق، معتبرًا أنه ينتقص من السيادة اللبنانية ويمنح قوات العدو هامشًا واسعًا لمواصلة عملياتها العسكرية.


الهدنة تحت النار جنوبًا... فهل يصمد اتفاق واشنطن؟