إسلام جحا - خاصّ الفجر
لم تعد موجات الحر في
أوروبا حدثًا صيفيًا عابرًا، بل تحولت إلى أزمة مناخية غير مسبوقة تكسر الأرقام
القياسية وتهدد صحة ملايين السكان. فدرجات الحرارة تجاوزت 40 درجة مئوية في عدد من
الدول، وأجبرت السلطات على إعلان الإنذارات الحمراء، وإغلاق المدارس وتعطيل خدمات
النقل، فيما يؤكد العلماء أن ما تشهده القارة اليوم لم يكن ليحدث بهذا الحجم لولا
التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.
وقد أعلنت منظمة
"وورلد ويذر أتريبيوشن" أن موجة الحر الحالية هي الأقوى منذ بدء تسجيلات
الأرصاد الجوية في أوروبا، بعدما حطّمت الأرقام القياسية المسجلة لشهر يونيو وعلى
مدار العام. ويتوقع أن تطال نحو 150 مليون شخص، بينهم أكثر من 50 مليونًا في
ألمانيا و30 مليونًا في فرنسا، بينما ستتجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية لدى
أكثر من 420 مليون أوروبي.
وأظهرت دراسة شملت أكثر
من 800 مدينة أن 45% منها سجلت أو يتوقع أن تسجل أعلى مستويات الإجهاد الحراري
لنهاية يونيو، وهو ما يرفع مخاطر الإصابة بضربات الشمس، لا سيما مع استمرار ارتفاع
درجات الحرارة ليلًا.
ودفعت الموجة عدداً من
الدول إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، شملت إعلان الإنذارات الحمراء وإغلاق المدارس
وتعطيل بعض خدمات النقل وتقليص ساعات العمل والأنشطة الخارجية. وفي المملكة
المتحدة سُجل شهر يونيو الأكثر حرارة على الإطلاق، فيما حطمت فرنسا بدورها أرقامًا
قياسية، متجاوزة مستويات سجلت خلال موجة الحر المدمرة عام 2003 التي أودت بحياة
نحو 15 ألف شخص.
ويعزو خبراء الأرصاد
هذه الموجة إلى ظاهرة "القبة الحرارية"، وهي نظام جوي يتشكل عندما
يتمركز مرتفع جوي قوي بين منخفضين فيما يعرف بـ"أوميغا بلوك"، نسبة إلى
شكله المشابه لحرف "أوميغا" اليوناني. ويعمل هذا المرتفع كغطاء يحبس
الهواء الساخن القادم من شمال إفريقيا ويمنع تجدد الكتل الهوائية، فيما تستمر أشعة
الشمس في تسخينه، فيهبط الهواء إلى سطح الأرض أكثر سخونة، ما يؤدي إلى استمرار
درجات الحرارة المرتفعة لأيام أو حتى أسابيع، ويرفع مخاطر حرائق الغابات وتلوث
الهواء والإجهاد الحراري.
ويؤكد علماء المناخ أن
حدوث موجة حر بهذه الشدة في شهر يونيو كان شبه مستحيل قبل خمسين عامًا، إلا أن
التغير المناخي زاد احتمالات وقوعها عشرات ومئات المرات منذ عام 2003.
وتشير المنظمة العالمية
للأرصاد الجوية إلى أن انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن حرق الفحم والنفط
والغاز رفعت متوسط حرارة الأرض بنحو 1.4 درجة مئوية مقارنة بما قبل الثورة
الصناعية، فيما تعد أوروبا القارة الأسرع ارتفاعًا في درجات الحرارة عالميًا.
أما في لبنان، فتؤكد
مصلحة الأرصاد الجوية أن البلاد لن تشهد السيناريو الأوروبي، إذ ستفقد ظاهرة
"أوميغا بلوك" معظم قوتها قبل وصولها إلى شرق المتوسط. وتوضح دائرة التقديرات السطحية أن تأثيرها سيقتصر على
ارتفاع محدود في درجات الحرارة، خصوصًا في المناطق الداخلية حيث قد تلامس 36 درجة
مئوية، بينما تبقى درجات الحرارة على الساحل ضمن معدلاتها الطبيعية، ولن تتجاوز في
بيروت غالبًا 32 إلى 33 درجة مئوية خلال يوليو.
وتشير مصلحة الأرصاد الجوية إلى أن موجات الحر التي تؤثر
في لبنان عادة ما تبلغ ذروتها بين أواخر يوليو وبداية أغسطس، وهي الفترة الأكثر
عرضة لتأثر البلاد بالكتل الهوائية الحارة، إلا أن التوقعات الحالية لا تشير إلى
ارتفاعات استثنائية خلال الأسابيع المقبلة، بل إلى درجات حرارة قريبة من معدلاتها
الموسمية، مع ارتفاعات طفيفة ومؤقتة في المناطق الداخلية، الأمر الذي لا يستدعي
قلقًا حتى الساعة.